السبت، 5 يناير 2013

لحظاتٌ عصيبة .. !

في فجر يوم الأحد الخامس من شهر ذي الحجة لعام 1433 الموافق ليوم 21 اكتوبر 2012 , وبعد ليلة طويلة لم أستطع النوم فيها توجهت إلى مطار الملك خالد لإنهاء إجراءات سفري إلى باريس , حيث سأمكث في مطار شارل دي غول لـ 55 دقيقة قبل أن أصعد على متن رحلتي الثانية المتجهة إلى مطار وارسو  عاصمة بولندا, منذ أن صعدت الطائرة وجلست في مقعدي والأمور تبدو اعتيادية , حتى حطت بنا الطائرة في باريس عندئذٍ بدأ الشق الثاني في رحلتي وذلك بالإسراع للحاق الطائرة , ولكن للأسف فالزحام الشديد في المطار - سواءً عند منطقة دخول الشنغن أو التفتيش الذاتي - تسبب في تفويتي لرحلتي , كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرًا حيث أخذتني موظفة في المطار إلى كاونتر الخطوط الفرنسية وتم إيجاد مقعدٍ لي على الرحلة 1246 التي ستقلع في السادسة مساءًا .

مضى الوقت بطيئًا مملًا وهذه أمور قابلة للحدوث خصوصًا عند وجود تغيير في المطار لرحلةٍ أخرى , جلست في احد المقاهي لحوالي 6 ساعات او اقل بقليل , مرت كل الوجوه أمامي والكل يجلس قليلًا ليشرب او يأكل شيئًا إلا أنا , فأنا لم أغادر طاولتي إلا عند النداء على رحلتي , ركبت الطائرة حيث كان مقعدي هو المقعد قبل الأخير عند النافذة اليمنى وجلست بجانبي فتاة وصديقها .

بمجرد جلوسي في مقعدي أسندت رأسي إلى النافذة وأغمضت عينيَّ لأنام بعد إجهادٍ وتعبٍ شديدين , كانت الطائرة من طراز A320 ممتلئة عن آخرها بالركاب , كانت هذه الرحلة بالنسبة لي مثل أي رحلة أخرى , تقلع ثم تطير في الجو لتهبط بدون اي مشاكل فأنا من فرط خوفي من ركوب الطائرات , أُقنع نفسي بأن متطلبات الأمان والسلامة تتحسن دائما وأن الطيار لا يقوم باي خطوة قد يكون فيها خطر على الطائرة , فقط لكي أهدئ من الخوف الذي يعتريني بمجرد ركوبي للطائرة , لم يخطر ببالي أبدا أن رحلة الخطوط الفرنسية رقم 1246 ستُحفر في ذاكرتي إلى الأبد !

وفجأة !

استيقظت من نومي بعد ارتطام رأسي بالنافذة , لأجد الطائرة تهتز بشكلٍ لم أرى له مثيلًا في حياتي , أحسست وكأن الطائرة ستنشطرُ في السماء من شدة اهتزازها , ألتفتُّ حولي لأجد البكاء والصراخ قد اجتاح الطائرة , وطاقم الطائرة يركضون جيئةً وذهابا , الفتاةُ التي بجانبي ارتمت في احضان صديقها وتبكي , نظرت إليها ثم إلى الخلف وبدأتُ أنادي ما الذي يحدث ؟! ما الذي يحدث ؟! ولكن لا مجيب فالكل منشغلٌ بنفسه ! , كل شيء حولي يُشعرني بأنني في حلمٍ مزعج ولكني للأسف لا أحلم كل ما أراه هو واقعٌ ليس بحلم مزعج , الطائرة مائلة باتجاه اليمين وصوت مثل صوت الدوران كان عند نافذتي , أقنعة الأكسجين نزلت أمامنا, أنا حتى الآن لا أعلم ما الذي يحصل !

نظرت إلى الخارج من خلال نافذتي لكن لا أستطيع أن أرى شيئا فالظلام دامس فقط رأيت الأنوار على الأرض واضحة فعلمت أن الطائرة على ارتفاع منخفض , فتبادر إلى ذهني هو أن الطائرة تسقط و أن الله سبحانه وتعالى قد أيقظني لكي انطق الشهادتين قبل أن أموت ! , تناولت قناع الأكسجين ولبسته وبدأت أحاول أن انطق الشهادتين , ولكن ما الذي يحدث كل ما أردت أن انطقها لا أستطيع ! 

الطائرة مائلة إلى الجهة اليمنى , أصوات اهتزاز الطائرة والديكور الداخلي لها وتساقط بعض الأمتعة من الأدراج العلوية , وذلك الصوت الذي يأتي من جهتي وكأن شيئا ما يدور ويتوقف , أصوات بكاء الناس والصراخ , تلك الأمور جعلت تفكيري مشتتًا كلما أردت أن أتشهد لا أستطيع , هدأتُ قليلًا وبدأت بالتنفس ببطئ وحاولت التركيز , وفعلا نطقت الشهادتين وبدأت أكررها أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله , عيناي تنظر إلى خارج الطائرة محاولًا فهم ما يحدث ولكن حتى الآن كل ما أعرفه هو أن الطائرة ستسقط وأنني سأموت لا محالة !

في تلك اللحظات مرَّ شريط حياتي أمامي , كل المواقف السيئة صغيرة كانت أو كبيرة بدأت بتذكرها , تندمت على أشياء كثيرة فعلتها وعلى أشياء لم أفعلها , بدأت بالتذكر وأنا ما زلت أكرر الشهادتين بدون توقف وفي قلبي حسرةٌ كبيرة , بدأتُ أبكي ندماً على كل معصية ارتكبتها على كل كلمة نطقتها وأكثر شيء ندمتُ عليه هو تفويتي لصلوات الظهر والعصر أثناء وجودي في مطار باريس , دموعي كانت غزيرة وكنت أقول في قلبي يا الله ! هل يمكن أن تكون هذه نهايتي ؟! ولو كانت نهايتي كيف سيعرفونني من بين كل هذه الجثث ؟! ربما لا يستطيعون التعرف علي وأدفن في مقابر الكفار !!

 أمسكت بهاتفي وبدأت أنظر إلى صور إخوتي وصور الأطفال من أبنائهم وصور أصدقائي وأبكي بحرقة , لم استطع رؤيتهم او سماعهم لذلك بدأت أنظر إلى صورهم وكأني أودعهم .

فجأة بدأت الطائرة بالارتفاع بعد ذلك تحدث قائد الطائرة باللغة الفرنسية أولاً , ثم تحدث بالإنجليزية قائلًا : فقدنا المحرك الأيمن ونطير فقط بالمحرك الأيسر , حاولنا الهبوط في مطار وارسو ولكن المطار مغلق بسبب الضباب حيث إن الرؤية أقل من 200م , جائتنا تقارير الطقس من برلين وفيينا وبراغ وكييف بأن هذه المطارات مغلقة أيضا بسبب الضباب , لا نستطيع المغامرة والعودة إلى باريس لأن من المتوقع تكون الضباب هناك , وجائتنا تقارير الطقس من بودابست بان الجو هناك صافي تماما , لذلك سنغير وجهتنا إلى مطار بودابست ونهبط هناك , سنحتاج حوالي ساعة ونصف للوصول إلى بودابست , ونرجو منكم عدم الخوف أو الذعر فطاقم الطائرة مُدرب على الطيران في مثل هذه الظروف !

يا الله ! ساعة ونصف من الرعب والخوف , حسنًا هل سنصل أم لا ؟ الطائرة فقط بمحرك واحد وكل هذا الاهتزاز والطائرة مائلة إلى الجهة اليمنى ! , مرت الساعة ونصف وكأنها سنة ونصف , كل دقيقة أنظر إلى ساعتي لأرى كم مر من الوقت , لا أريد شيئا أريد فقط أن أنزل إلى الأرض بسلام !

بدأت الطائرة بالانخفاض مرة أخرى , الأحزمة مربوطة وأقنعة التنفس كذلك , أخبرنا طاقم الطائرة بأن نستعد لوضعية الهبوط الإضطراري وذلك بإمساك المقعد الأمامي ونزول الرأس إلى الأسفل , سمعتُ صوت العجلات تنزل , أحسست بالاطمئنان مع الخوف ! , فجأة سمعتُ صوت باب العجلات يغلق وبدأت الطائرة بالارتفاع مرة أخرى ! , يا الله ما الذي يحدث ! دارت الطائرة لحوالي ربع ساعة ثم أخذنا وضعية الهبوط الاضطراري مرة أخرى , سمعنا صوت العجلات تنزل , هل سنهبط هذه المرة أم أن هناك أمرًا ما سيحدث .

وفعلًا بدأت الطائرة بالاقتراب من المدرج , توجد لدي رغبة للنظر من النافذة لرؤية ما الذي يحدث , لكن لابد من وضع الرأس أسفلًا إلى أعلى البطن ! , اهتزت الطائرة اهتزازا عنيفا ولمست العجلات المدرج , بدأت الطائرة بالانحراف يمينا ! ثم بالانحراف يسارا ! وكأنها تنزلق على المدرج ! , عندما انحرفت الطائرة يسارا كل من في الطائرة شهقوا شهقة واحدة ! , لا أحد يُصدر صوتا كل ما يُسمع هو صوت الاهتزاز وصوت همس بين الناس !

انحرفت الطائرة وخرجت من المدرج متجهة إلى البوابة , كل من في الطائرة بدأ بالتصفيق و التصفير , هناك أشخاص بدأوا بالصراخ فرحاً , أنا بدأت بالتصفير والتصفيق وفرحتي ليس لها مثيل , أيقنتُ بأن الله أنجى الطائرة وكل من فيها برحمته !

وصلت الطائرة إلى إحدى الساحات وتوقفت , فُتح الباب الأمامي وبدأ الناس بالنزول , كل من في الطائرة اغرورقت عيناه بالدموع فرحًا بالنجاة من هذه المحنة !

لم يكن 5 / 12 / 1433هـ الموافق 21 / 10 / 2012 هو يوم وفاتي , ولم تكن رحلة الخطوط الفرنسية 1246 هي نهايتي , مع أني ظننتُ بأن تلك الرحلة ستكون نهايتي !

وستبقى الرحلة 1246 محفورةً في ذاكرتي ما حييت .

لن أنسى أي شيء من تلك الليلة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق